عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

193

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

يجدوا له طعما ولم يعلموا ما هو ، فرآه رجل عرف ما فيه فاشتراه منهم بقميص خلق يساوي درهمين « 1 » . ورأى بعضهم الخبز الرقاق فظنه رقاعا يكتب عليها « 2 » وشاهدوا الأرز فظنوه طعاما مسموما . ولكنهم ما لبثوا أن اختلطوا بالأقوام الأخرى وأخذوا عنها أكثر مبادئ الحضارة ولا سيما عن الفرس . لقد تأثروا بكثير من العادات والآداب الفارسية فاستحدث العرب في العصر الأموي طرقا غير طرقهم الأولى في صنع أطعمتهم ، فصاروا يأكلون الأوز والدجاج ، والسكباج وهو نوع من المرق كانوا يصنعونه من مرق اللحم والخل ، ويضعون فيه اللحوم المطبوخة كالدّراج ونحوه ، وكانوا يسمونه سيد المرق وتفننوا في معالجة اللحوم بالألبان والخضار ، واصطناع التوابل المنبهة لشهوة الطعام التماسا لمزيد من اللذة وطعموا الجردق ولبسوا النّمرق « 3 » . وأكلوا الخشاف واللوزينج وهو حلوى تحشى باللوز والسكر . كما أكلوا الجوذاب والجلّاب والفالوذج وغيرها . وكانت موائد الخلفاء الأمويين تحلى بأطايب الطعام والشراب . فقد روي « أن مائدة سليمان بن عبد الملك كانت غنية بألوان الطعام فنزل عليه مرة أعرابي . فلما أتي بالفالوذج جعل يسرع فيه ، فقال سليمان : أتدري ما تأكل يا أعرابي : فقال : بلى يا أمير المؤمنين . إني لأجد ريقا هنيا ومزدردا ليّنا ، وأظنه الصراط المستقيم الذي ذكره اللّه في كتابه « 4 » . كذلك تأثر العرب في العصر الأموي بالحياة الاجتماعية الفارسية . فرأوا موائد الفرس ، فقلدها الخلفاء والأمراء وأدخلوا على موائدهم نوعا من التحسين ففي عهد الأمويين استعمل العرب الفوط والملاعق ، وكانت الملاعق تصنع من الخشب . كما كانت تجلب ملاعق من الفخار من بلاد الصين . وكانوا يجلسون على الكراسي أمام مائدة الطعام التي يكسوها مفرش من القماش « 5 » .

--> ( 1 ) الفخري : ص 74 . ( 2 ) ابن خلدون المقدمة : ص 144 . ط : المطبعة البهية بمصر . ( 3 ) تاريخ الطبري : ج 5 - ص 280 النمرق : مفرده نمارق وهي الطنافس . الجردق : أو جردقة جمعها جرادق : الرغيف فارسية معربة . ( 4 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد : ج 6 - ص 127 . ( 5 ) الدكتور حسن إبراهيم حسن : تاريخ الاسلام السياسي : ج 1 - ص 417 .